ابن قيم الجوزية

84

البدائع في علوم القرآن

وحى لها القرار فاستقرت فصل المرتبة الثالثة : إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري ، فيوحي إليه عن اللّه ما أمره أن يوصله إليه . فهذه المراتب الثلاث خاصة بالأنبياء ، لا تكون لغيرهم . ثم هذا الرسول الملكي قد يتمثل للرسول البشري رجلا ، يراه عيانا ويخاطبه . وقد يراه على صورته التي خلق عليها . وقد يدخل فيه الملك ، ويوحي إليه ما يوحيه ، ثم يفصم عنه ، أي يقلع ، والثلاثة حصلت لنبينا صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . فصل المرتبة الرابعة : مرتبة التحديث . وهذه دون مرتبة الوحي الخاص ، وتكون دون مرتبة الصديقين ، كما كانت لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنه كان في الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب » « 2 » . وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين . ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا . وعلق وجودهم في هذه الأمة ب « إن » الشرطية مع أنها أفضل الأمم ، تضم لاحتياج الأمم قبلنا إليهم ، واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته ، فلم يحوج اللّه الأمة بعده إلى محدّث ولا ملهم ، ولا صاحب كشف ولا منام ، فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها . والمحدّث : هو الذي يحدّث في سره وقلبه بالشيء ، فيكون كما يحدث به . قال شيخنا : والصديق أكمل من المحدث ، لأنه استغنى بكمال صديقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف ، فإنه قد سلّم قلبه كله وسره وظاهره وباطنه للرسول ، فاستغنى به عما منه « 3 » .

--> ( 1 ) البخاري ( 2 ) في بدء الوحي ، باب : ( 2 ) ، ( 3215 ) في بدء الخلق ، باب : ذكر الملائكة ، ومسلم ( 2333 / 87 ) في الفضائل ، باب : عرق النبي صلى اللّه عليه وسلم في البرد وحين يأتيه الوحي . ( 2 ) البخاري ( 3689 ) في فضائل الصحابة ، باب : مناقب عمر بن الخطاب ، ومسلم ( 2398 / 23 ) في فضائل الصحابة ، باب : من فضائل عمر رضي اللّه عنه . ( 3 ) لعل مراده : فاستغنى الصديق بما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم من الوحي عما منه هو من التحديث واللّه تعالى أعلم .